حسن بن عبد الله السيرافي
180
شرح كتاب سيبويه
قال الشاعر في الوجه الأول : وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة * على وجهه تلقي اللّسان من الفم " 1 " وقال آخر في المعنى الثاني : ألا غنّنا بالزّاهريّة إنّني * على النّأي ممّا أن ألمّ بها ذكرا " 2 " أي من الأمر أن ألم بها ذكرا ، أي من أمري إلمامي بها . قال سيبويه : " فمما حذف وأصله في الكلام غير ذلك : " لم يك " و " لا أدر " ، وأشباه ذلك " . قال أبو سعيد : أما قوله " لم يك " فأصله " لم يكن " ؛ لأن الأصل فيه قبل دخول " لم " أن يقال : " يكون " فدخلت عليها " لم " فسكنت النون لدخول الجزم ، والتقى ساكنان الواو والنون ، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين ، وكثر في كلامهم هذا الحرف ، لأنه عبارة عن كل ما كان ويكون ، والنون تشبه - إذا كانت ساكنة - حروف المدّ واللّين ؛ لأنها غنّة في الخيشوم . وقد ذكرنا شبهها بحروف المدّ واللّين فيما تقدم ، فشبّهوها في هذا الموضع وقد دخل عليها الجازم بقولهم : " لم يغز " و " لم يرم " فإذا لقيها ألف ولام ، أو ألف وصل ، لم يكن فيها إلا الإثبات والتحريك ، كقولهم : " لم يكن الرّجل عندنا " قال للّه عز وجل : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ " 3 " وإنما لم يحذفوها إذا لقيها ساكن من قبل أنها إذا تحرّكت لالتقاء السّاكنين ، زال عنها شبه حروف المدّ واللّين ، ويكون مخرجها من الفم لا من الأنف ، فأقرّت على ما ينبغي لها . فإن قال قائل : فينبغي أن يقال على قياس " لم يك " : " لم يص " و " لم يه " في " لم يصن " و " لم يهن " ، قيل له : قد بيّنا أن القياس في " لم يكن " إثبات النون ، وإنما شبّهوا النون بحروف المدّ واللّين ، لما كثر في كلامهم هذا الحرف ، وطلبوا خفّة اللفظ به ، فالذي أوجب الحذف اجتماع معنيين : أحدهما شبه النّون بحروف المدّ واللين ، والآخر كثرته في الكلام . وإذا انفرد أحدهما لم يجب الحذف ، ولهذا نظائر : منها : أنّا نقول : " من الرّجل "
--> ( 1 ) البيت لأبي النميري في كتاب سيبويه 1 / 74 . ( 2 ) البيت بلا نسبة في المقتضب 4 / 75 . ( 3 ) سورة البينة ، آية : 1 .